عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

53

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

فَتَكْفُرُونَ ( 10 ) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 ) * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ ) * يوم القيامة فيقال لهم : * ( لَمَقْتُ اللَّه أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * أي لمقت اللَّه إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء . * ( إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ) * ظرف لفعل دل عليه المقت الأول لا له لأنه أخبر عنه ، ولا للثاني لأن مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة إلا أن يؤول بنحو : بالصّيف ضيّعت اللَّبن . أو تعليل للحكم وزمان المقتين واحد . * ( قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) * إماتتين بأن خلقتنا أمواتا أوّلا ثم صيرتنا أمواتا عند انقضاء آجالنا ، فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتصغير والتكبير ، ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل ، وإن خص بالتصيير فاختيار الفاعل المختار أحد مفعوليه تصيير وصرف له عن الآخر . * ( وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) * الإحياءة الأولى وإحياءة البعث . وقيل الإماتة الأولى عند انخرام الأجل والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال والإحياءان ما في القبر والبعث ، إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به ولذلك تسبب بقوله : * ( فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ) * فإن اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا وإنكارهم البعث . * ( فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ ) * نوع خروج من النار . * ( مِنْ سَبِيلٍ ) * طريق فنسلكه وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللا وتحيرا ولذلك أجيبوا بقوله : ذلِكُمْ بِأَنَّه إِذا دُعِيَ اللَّه وَحْدَه كَفَرْتُمْ وإِنْ يُشْرَكْ بِه تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّه الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِه ويُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) * ( ذلِكُمْ ) * الذي أنتم فيه . * ( بِأَنَّه ) * بسبب أنه . * ( إِذا دُعِيَ اللَّه وَحْدَه ) * متحدا أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحالية . * ( كَفَرْتُمْ ) * بالتوحيد . * ( وإِنْ يُشْرَكْ بِه تُؤْمِنُوا ) * بالإشراك . * ( فَالْحُكْمُ لِلَّه ) * المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم . * ( الْعَلِيِّ ) * عن أن يشرك به ويسوى بغيره . * ( الْكَبِيرِ ) * حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد . * ( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِه ) * الدالة على التوحيد وسائر ما يجب أن يعلم تكميلا لنفوسكم . * ( ويُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً ) * أسباب رزق كالمطر مراعاة لمعاشكم . * ( وما يَتَذَكَّرُ ) * بالآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى . * ( إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) * يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها والتفكر فيها ، فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه . فَادْعُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ ولَوْ كَرِه الْكافِرُونَ ( 14 ) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) * ( فَادْعُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ ) * من الشرك . * ( ولَوْ كَرِه الْكافِرُونَ ) * إخلاصكم وشق عليهم . * ( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ) * خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس الدال على تفرده في الألوهية ، فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر دونها كمال وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته لا يصح أن يشرك به ، وقيل الدرجات مراتب المخلوقات أو مصاعد الملائكة إلى العرش أو السماوات أو درجات الثواب . وقرئ « رفيع » بالنصب على المدح . * ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه ) * خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضا مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي ، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد والروح الوحي ومن أمره بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدؤه والآمر هو الملك المبلغ . * ( عَلى مَنْ